الليالي القمرية
رواية
ـ1 ـ
في مدينة إفران، وفي غرفة جميلة، هادئة، استيقظت مضطربا...ماذا حدث لي؟
بنت في حوالي العشرين من العمر، نحيفة، ولكن رشيقة، ليست جميلة، كممثلة، أو عارضة أزياء، ولكنها ساحرة، جذابة، تفتن العين، والروح، من أول نظرة. لم أفهم كيف تسللت إلى غرفتي، لكنها كانت هنا، بداخل الغرفة، وكنت أشاهدها كما أشاهد الآن شاشة حاسوبي، وهذه الحروف على الشاشة، أشاهدها تتحرك في الظلمة الكثيفة، بخفة وفتنة، داخل الغرفة.كانت ترتدي فستانا أصفر، مزينا بورود، زرقاء، وشعرها القصير، الناعم، الكثيف، المشدود فوق كتفها، من جهة أعلا الرقبة، بوردة أقحوانية يتدلى خيطها، عبر شق العمود الفقري، بوردة أقحوانية أخرى تنتشر على كل وسط أسفل وركها المليء، كأنهأ تلبس حقل ورورد زرقاء وأقحوانية: ورك يتموج، كالشعر الحالك السواد، ويضيء، كلما تحركت!
كانت تتأمل الغرفة، كل مكان في الغرفة، و كأنها تتفحصها، تفتشها، ومن حين لآخر تطل من إحدى النوافذ الأربع ثم رأيتها تنظر إلي نظرة طويلة، عميقة، حانية، وأنا أرتجف من الخوف تحث بطانية من الصوف الشفاف، ثم جاءت، بخطوات بطيئة، لطيفة، ساحرة، وجلست إلى جنبي الأيسر على السرير، وهي لا تزال تنظر إلي بتلك النظرة العميقة، الحانية، الفاتنة، ثم أمسكت بيدي اليسرى وشرعت في مداعبتها برفق حتى...
كنت.... أحلم؟
أظن... لا، لا، أكاد أكون متأكدا! كنت أحلم، فقط ، وإلا من أين كل هذه الظلمة؟ وكيف أستطيع، إذا كنت في اليقظة، أن أبصر في الظلام الأسود، كل هذه المشاهد؟ ولكن لا يمكنني أن أصدق أن ما شاهدت مجرد أشباح فالأشباح لا تكون حية، بهذا الشكل، واقعية، وحقيقية، بكل تلك القوة، بكل ذلك الحضور، وإذا كان ما عشته أشباحا، خيالا، أو هذيانا، أو هلوسة، فقد كانت حية، كثيفة، وأكرر، واقعية، حقيقية، مثلنا، مثلا، أو مثل الطير في السماء، أو السمك في الماء، مثل فيلم سينمائي، على الأقل، أو مشاهد في بيت عامر بسحر البنات، في أي مكان من الأماكن العمومية تشغله، رغم كثرة المارة، بنت واحدة تستعرض جمالها!
وكانت الغرفة الفسيحة، الفستقية الجدران، مغلقة بإحكام شديد، بابها من ألومونيوم صلب، و كذلك النوافذ الأربع، وزجاج النوافذ، و كذلك زجاج الباب، زجاج سميك، فمن أين دخلت البنت، إن لم أكن أحلم؟
قبل ذلك كنت قد انتهيت من قراءة الصفحات التي كانت متبقية لي من كتاب"المعيار أو دور السياسة والتجارة في تحديد نمط الأخلاق". أغلقت الكتاب. قمت ووضعته، على الرف السفلي لخزانة كتبي، إلى جانب الكتب التي قرأت هذا العام:
ـ هذه الخزانة في غرفتي بالدار البضاء، وأنا أحلم بها في إفران، أسائل نفسي؟
دخلت إلى الحمام. خمس دقائق ثم خرجت. وضعت "بوليرو" موريس رافيل في قارئ الأقراص المدمجة ثم دخلت إلى السرير. بقدر ما ترتفع حدة الموسيقى بقدر ما أحس بالخدر! ونمت!
نمت؟ ألم أكن، قبل ذلك، نائما، في سابع سماء، وأنا أشاهد نفسي أقرأ، أطوي الكتاب وأضعه على الرف، أدخل إلى الحمام وأخرج منه، أشغل "البوليرو"، أدخل إلى السرير ثم أنام؟
ما معنى هذا، ما معنى أن أنام وأنا نائم، أشاهد نفسي أنام وأنا نائم بالفعل، كأني، بعبارة أوغست كونت، أنظر إلى نفسي من الشرفة وهي تمر في الشارع؟
على كل حال، لما استيقظت، لما استيقظت بالفعل، هذه المرة، على صوت الأشجار والطيور، لم أجد للبنت أثرا، قلت لنفسي:
ـ حلم غريب، لكنه جميل، مر بسلام...!
ولكني أغمضت عيني من جديد طمعا في أن يعود إلي النوم وأن أراها مرة أخرى فتذكرت تلك الطرفة التي يحلم فيها جحا بأنه يحمل كيسا ضخما مليئا بالدنانير وفجأة يفتح ثقب في الكيس وتبدأ تسقط منه الدنانير، وجحا لا يستطيع إلى سد الثقب سبيلا، ثم يفتح ثقب آخر، يكثر تساقط الدنانير، ولما لا يبقى منها إلا القليل يتمكن أخيرا جحا من سد الثقبين بسبابته وإبهامه لكنه يستيقظ فيجد السبابة والإبهام يسدان فتحتي أنفه: قد أكون ضحكت على غفلتي، ضحكت:
ـ اضحك، يا مغفل، بنت مثل هذه لا يمكن أن تكون لك حتى في المنام، ولو نمت وأنت نائم، ولو سددت، وبكل أصابع يديك ورجليك، جميع ثقوب نفسك، كل ثقوب خزانة سليمان!
قفزت من السرير وبدأت في إعادة ترتيبه فلاحظت أنه مبلل، كأن سطلا كبيرا من الماء أفرغ فيه،فقلت لنفسي مرة أخرى:
ـ بدأت أعرق كثيرا، ومن جديد، في نومي، تماما كما كنت أفعل في صغري!
ودخلت إلى الحمام فوجدت سروال البيجامة، وأنا أخلعه، مبللا بدوره، كأن سطلا أصغر، ولكن من حليب قد تحلل، أفرغ فيه هو أيضا، فسألت نفسي مازحا، ساخرا منها:
ـ احتلام أم عودة إلى التبول في الفراش كما فعلت طويلا في صغري، فيما أسميه صغري بينما يسميه الناس "بلوغ الكلب"؟ أيعقل، يا رجل، أن تفعلها وأنت الآن في الرابعة والخمسين أم هل وصلت إلى أرذل العمر قبل الأجل؟
وأفطرت، وأنا مسرور وخائف، مبتهج ومتوتر، في نفس الوقت، ثم أشعلت الحاسوب لأتصفح علبة رسائلي، لكن قبل أن تفتح العلبة لاحظت وجود لوحة معلقة بين النافذتين المطلتين على جهة الغروب: حين دخلت إلى هذه الغرفة، لأول مرة، أي البارحة، على ما أظن، كانت اللوحة "فارغة"، ليس عليها خط واحد، ولا نقطة واحدة، بيضاء تماما!
ولأنه كان هناك، أعلا اللوحة، ملصق صغير كتب عليه عنوانها، " كل الحكاية"، فقد فكرت في أن الأمر قد يتعلق بموجة رسم جديدة، مثل "اللوحة الخالية"، على غرار "القصيدة الصامتة"، التي يقرأ الشاعر عنوانها ثم يصمت، كما يشاء، ثم يقول للسامعين" شكرا، انتهت القصيدة!"، أو على طريقة "القصة البيضاء"، حيث يضع القاص عنوانا لقصته ثم يترك للقارئ حرية أن يقرأ ما يشاء على تلك الصفحة البيضاء، وأحيانا يكتفي القاص بتوقيع تلك الصفحة البيضاء، مانحا القارئ حرية أكبر في القراءة والتأمل: يبدع الكاتب والقارئ معا!
وها أنا ألاحظ الآن، هذا الصباح، وسط تلك اللوحة، وجود بعض النقط السوداء، حوالي عشرة نقط، في حجم حبات العنب الأسود، والخطوط السوداء كذلك، أربعة بالضبط، مستقيمة، رقيقة، في طول قلم حبر عاد!
شككت في أن أكون أنا، وفي لحظة لاوعي، من وضع تلك النقط والخطوط فأنا لا أعرف الرسم، ويستحيل علي أن أمد خطوطا مستقيمة، متوازية، بهذا الشكل الرفيع، ولو كنت أنا من خطها لجاءت كثيرة الانحراف، وغير متوازية كلها:
ـ لقد أضفت طنجة إلى إسبانيا، ياغبي، زدهم تطوان، زدهم، يا مغفل، يعاتبني أشتاذ الجغرافيا الذي كان يعلمنا رسم خريطة المغرب وهو يفرك أذني!
اشتريتها؟ متى اشتريت هذه اللوحة؟ أنا أضربت عن شراء اللوحات منذ اليوم الذي سألت فيه أستاذ رسم، كان يعرض مستنسخات، عن ثمن نسخة إحدى لوحات فانغوغ، فأجابني:
ـ عشرة ملايين!
أم ترى أن صديقا أهداني إياها؟ ولكن متى؟ حتى البارحة، قبل أن أنام، لم تكن في هذا المكان! كانت بذلها " اللوحة الخالية"، أنا على يقين!
ظللت أتأمل تلك النقط والخطوط:
ـ فيها شيء ما، شيء غامض، ظاهر وخفي، في نفس الوقت، يشدني إليها، يأسرني!
وفجأة، وأنا لا أكف عن النظر والسؤال، ظهر لي ذلك الشيء:
ـ شبح البنت التي كانت في الغرفة، التي كانت في سريري؟
فقلت لنفسي:
ـ ذلك الخيال من شدة النظر والتوقع، توهم!
ولكن الخيال ظل هناك كرسم تحضيري، أهمل، نسي، أو ينتظر استكماله !
ـ 2 ـ
في غرفة المرحومة والدته، غرفة متواضعة، خفيضة السقف، بحيث يكاد يلامس رأس الواقف فيها، غرفة من مترين على ثلاثة، طليت جدرانها بالأبيض الناصع ونافذتاها الصغيرتان بالأزرق السماوي ، الغرفة الوحيدة في الطابق الثاني، مع حمام صغير، وفي باقي السطح ساحة متعددة الوظائف كما في أغلب بيوت الناس متوسطي الحال... في تلك الغرفة المطلة على البحر بحيث يجعلها تبدو وكأنها بنيت فوق الماء، كأنها جزء من الشاطئ، في هذه الغرفة قضى العربي لغريبي، باعروب، ليلته الأولى في مدينة الجديدة. كانت الغرفة تعبق برائحة أمه، الرائحة المتميزة للأم، تلك التي لا تفارقنا، ونحن نتعود على روائح نساء أخريات، فنام وكأنه في حضن والدته، كأنه طفل، كأنه لم يتجاوز بعد الخمسين من عمره، كأنه لم ينم، منذ قرون، نوما كهذا...
لكنه، قبيل الفجر، استيقظ مذعورا، لاهثا، مرتعشا من البرودة، ومع ذلك يتصبب عرقا: لقد رأى نفسه، وهو نائم، في عنق زجاجة، زجاجة من تلك الزجاجات التي يباع فيه خمره المفضل، والذي يحبه صاحبه علي العزيزي مثلما يحبه هو، زجاجة خضراء ورأسه عالقة في عنقها، فلا هو يستطيع أن يحرر رأسه منها ولا هو يستطيع أن يتنفس، والأدهى من ذلك أنه كان وسط البحر وكانت الزجاجة تجره نحو الأعماق البعيدة، المظلمة، الكئيبة، الخانقة...يغرق! وفي تلك اللحظة التي أحس فيها بنهايته الحتمية سمع
صوتا من الأعماق يقول له:
ـ كسر الزجاج!
ـ كيف، سأل نفسه الهالكة؟
يقول الصوت:
ـ اضرب رأسك، ضربة قوية، أدخل به في أية صخرة، تتكسر الزجاجة!
ورأى صخرة هائلة فأخذ ينطحها برأسه حتى تكسرت الزجاجة وتحررت منها رأسه ثم أخذ يتنفس ويسترجع هدوءه ثم قرر أن يعود إلى سطح الماء ثم أدرك، بعد جهد جهيد، أن السطح بعيد، بعيد جدا، فاستغرب كيف جرته الزجاجة إلى كل تلك الأعماق الرهيبة... أغرقته!
ولكنه استمر يقاوم، ظل يقاوم حتى أطل برأسه خارج الماء، و ما لبت أن اكتشف أنه لم يعد هناك بحر، كل هذا البحر المحيط بمدينة الجديدة، المحيط بكل الدنيا، لم يعد له وجود، هناك فقط أسماك كثيرة، وفواكه بحر، من كل الأصناف، قد ماتت وجفت، وهناك مرجان كثير، وطحلب، تزكم رائحته العفنة الأنف...نتن البحر!
فلما حاول أن يتحرك وجد أنه لا يستطيع أن يتحرك: كانت رأسه خارج عنق الزجاجة وبقية جسمه في عمقها، كل جسمه، ماعدا الرأس، أصبح سجين الزجاجة، و أصبح البحر كله، كل ذلك البحر المحيط بمدينة الجديدة، والمحيط بكل الدنيا، أصبح زجاجة خضراء ـ سوداء بينما جسمه كله بداخلها قد انضغط، لا يستطيع أدنى حركة، وهو يتخبط، أو يتوهم أنه يتخبط، بدون جدوى...جسده لا يكف عن الانحباس والتضاؤل!
و ها هو يستيقظ مذعورا، ، لاهثا، مرتعشا من البرودة، ومع ذلك يتصبب عرقا، عرقا حارا، مالحا، عرقا كثيرا...كل هذا الماء المالح، الساخن!
كما حلم عروب في الجديدة أحلم أنا صديقه، علي العزيزي، في إفران، أحلاما مختلفة لكنها متشابهة مع ذلك، أجدها قريبة من بعضها حين أمعن النظر فيها: الماء المالح، الساخن، وامرأة في خيال بنت أو هيئة زجاجة!
لقد صرنا نتشابه في كل شيء:المزاج، والهيئة، جلوسا وقياما، وطريقة المشي، في كل حركاتنا وسكناتنا حتى اعتقد البعض أننا توأمان!
كل شيء أصبح واحدا موحدا بيننا: نلبس بنفس الطريقة، تقريبا، نأكل نفس الأكل، نسمع نفس الموسيقى، نشاهد نفس الأفلام، نقرأ نفس الكتب، ننام ونستيقظ في وقت واحد، نذهب إلى العمل معا، نعود منه معا، حتى قيل أننا مثليان!
خمس وعشرون سنة ونحن نعيش معا، نعمل معا، نفكر، ونحس، ونتحرك، كأننا جسد واحد، قلب واحد، عقل واحد: كل عطلنا، خلال هذه الفترة، قضيناها معا، في نفس المكان، ونفس الوقت، الذي يختاره أحدنا، لا يهم من يختاره منا، يكفي أن يسبق أحدنا إلى التفكير فيه ليقول له الآخر " جميل" أو "رائع"!
خمس وعشرون سنة من العيش معا، من الصحبة، من المحبة، من الألفة، من الصداقة، والوفاء، والإخلاص، كأنها ربيع دائم لا تكدر بهاءه إلا سحب صغيرة، عابرة، سواء أمطرت أو لم تمطر: ربيع الأخوة المتجدد الذي يغبطنا عليه الكثيرون حتى من بين الأزواج السعداء!
وكانت أمه، إذا زارها وحده، تسأله عني، قبل السلام عليه:
ـ اخبار خوك؟
وإذا زارتنا، قبل أن تموت، تأتيني دائما بهدية، بشيء من صنع يديها، وتقول له:
ـ انت كلت حقك، وبالزيادة، في صغرك!
لم يذهب يوما إلى زيارة أهله، أو ما تبقى منهم، آنذاك، دون أن أكون معه، و لا قصدت يوما بيتا من بيوت معارفي وهو ليس معي، والعكس صحيح: توأمان، مثليان، زوجان، رفيقان، الخ...كل النعوث التي كانت تطلق علينا لم تكن خاطئة كليا، إذا ما جردت من نزعة الخبث، والنميمة، التي تلصق بها في العادة، فقد كان كل واحد منا نصف الآخر، نصفه الفعلي، الحقيقي!
لقد عينت بعده، بعام، في نفس الشركة التي كان يشتغل بها، في نفس المكتب وبعد طقوس التقديم، والمجاملات، لم نتبادل كلمة واحدة، خارج العمل...قال لي:
ـ هذه نسخة من المشروع الذي نشتغل عليه الآن، حاول أن تدرسه بعناية، قدر الإمكان، ليكون لك فيه رأي حتى تنخرط معنا في إعداده على الفور!
قال ذلك ثم غطس في أوراقه ونسيني تماما! كان المشروع مهما، فيه الكثير من التحدي: كيف نعيد نوعا من أنواع الصابون إلى مكانته الأولى، على مستوى البيع، قبل دخول أنواع أخرى منافسة وبعد أن لم ينتبه أصحابه إلى أهمية الإشهار التي قد تكون مربحة أو مخربة، فهم الآن على حافة الإفلاس، مشروع يشعرك بأنك أصبحت مثل طبيب سيعيد الحياة إلى عشرات المرضى الذين ينتظرونه، في حالة احتضار، في قسم المستعجلات، فعالم التجارة، والاقتصاد، رغم ما فيه من روتين، وإكراهات، وبخاصة الجانب الإشهاري منه، في مواجهة الأزمات، يوفر فرصا كبيرة للإبداع وتحقيق الذات!
لما بدأ الموظفون في الانصراف، حوالي الساعة السادسة والنصف مساء، جمع أوراقه والتفت نحوي:
ـ هيه، ماذا... عن المشروع الذي بين يديك، أعني؟
أحسست بلطف كبير في نبرة سؤاله فأجبته:
ـ أحس بالسرور لأني عينت في هذا القسم وليس في غيره!
ابتسم وقال، بعد شبه تردد:
ـ هل وجدت مسكنا، عندك سكن هنا في الدارالبيضاء؟
اكفهر وجهي، وترددت طويلا قبل أن أقول له:
ـ سأبيت الليلة بأي أوطيل وغدا...!
ثم أضفت في سري:
ـ بالرغم من أني لا أحب هذه الأوطيلات المخصصة للفئات المتوسطة والضعيفة: وسخ، وسوء استقبال، وخليط من كل أنواع الزبائن!
قال على الفور:
ـ عندي غرفة فارغة، زائدة، في الشقة التي أقطن بها، تعال معي لتراها وإذا أعجبتك تكتريها مني إلى أن تتدبر أمرك!
هكذا بدأ اليوم الأول من الخمس وعشرين سنة إلى أن استيقظ، ذات صباح، في هيئة من لم ينم أربعين يوما، أو من كان محبوسا في مكان يستحيل فيه أن يرى دقيقة نعاس:
ـ تعرف، آعلي؟
تصورت أنه سيقول شيئا يضحك كالعادة:
ـ صباح الخير، قل صباح الخير، أولا، ثم قل ما شئت بعدها!
تلعثم:
ـ ماذا أقول لك؟
ثم أضاف:
ـ صباح الخير، معذرة، صباح الخير!
قلت:
ـ اللهم اجعله خيرا، خيرا، يا رب!
قال:
ـ خيرا، خيرا، بكل تأكيد، لقد قررت أن أتزوج!
خلته يمزح كعادته:
ـ وفي هذا الصباح الباكر، الساخن، الشديد الحرارة والرطوبة؟
أضاف وكأنه قد غضب:
ـ لا، أمزح، والله، لقد قررت أن أتزوج، عن جد، وبالفعل، هل تفهم؟
لقد تعودت على مزاحه، يشرع في الضحك باكرا، كل صباح، حتى لإني أجد صعوبة في مجاراته دائما:
ـ وما الذي جعلك تتخذ هذا القرار الخطير، المصيري، في مثل هذا الصباح التافه؟
قال، وهو لا يضحك، ولا يبتسم:
ـ ملابسي الداخلية!
انفجرت ضاحكا:
ـ ماذا؟ أعد!
لكنه أكد بحزم:
ـ ملابسي الداخلية، لم أعد أطيق غسل ملابسي الداخلية بنفسي، تعبت!
حاولت أن أسخر:
ـ وتريد امرأة، تتزوج بامرأة لتغسل لك ملابسك الداخلية؟
أكد بنفس الحزم:
ـ تماما، تماما، وقد تصلح لأشياء أخرى، أشاهد معها التلفزيون، مثلا، أو فقط نمارس الغيبة والنميمة في الجيران، والأهل، والزملاء في العمل، أي كلام، أي شيء مع امرأة، حضور أنثوي، والسلام!
لم أصدق بعد أنه جاد:
ـ حضور أنثوي؟ وهؤلاء النسوة اللائي يتعاقبن، من كل لون وعمر، على البيت باستمرار، ألسن حضورا أنثويا بكل لحمه و شحمه وعظمه وهرجه وكيده وبؤسه؟
لم يجبني، أدار إلي ظهره وذهب إلى النافذة المغلقة ينظر من زجاجها إلى الشارع ثم قال:
ـ سأذهب إلى مدينة الجديدة لأبحث لي هناك، وسط الأهل والمعارف، وربما وسط المصطافات، وخاصة المراكشيات، على امرأة أتزوجها، لكني، بعد إذنك، سأذهب وحدي!
لم أصدق ما سمعت:
أيذهب إلى الجديدة بدوني ويستأذنني؟ وماذا يريد أن يفعل هناك: يبحث عن زوجة، حضور أنثوي؟
ولما تأكدت أنه جاد كل الجد قلت له ساخرا:
ـ أنا لو كنت مكانك كنت سأذهب إلى موسم مولاي ابراهيم، وأنخرط مع الباحثين والباحثات هناك عن نصيب، أو إلى موسم الزواج في إملشيل!
ثار في وجهي:
ـ لا تسخر، رجاء، لا تتسبب فيما قد يفسد ذكرياتنا، كل هذه العشرة!
سعيت إلى أن أستدرك:
ـ ولكن، هل تعرف ما تقول حقا، تستيقظ وقبل أن تفطر تقول...؟
أوقفني وقد ازداد عبوسه:
ـ أعرف جيدا ما أقول، ونحن صديقان، كأخوين شقيقين، ولكن ليس أكثر...
ماذا يقصد بهذه" ليس أكثر":
ـ ما تعني ب...؟
أجاب بشيء من الحدة:
ـ لا يحق لأحدنا أن يقف في وجه قرارات الآخر، كل واحد منا...
أضفت:
ـ حر؟ أليس كذلك؟ ولكن حتى ولو حاول أن يلقي بنفسه إلى التهلكة؟
قال:
ـ الزواج مازال عندك تهلكة؟ عندي أنا لم يعد كذلك، سأتزوج!
حاولت أن أطيل النقاش:
ـ تعرف أني لا أقصد ذلك، أريد فقط أن أعرف سر هذا القرار، ولا أستطيع أن أهضم أنك تريد أن تتزوج لتجد من يغسل لك ملابسك الداخلية، أليس هناك سبب آخر، سبب معقول، أو ليست هناك طريقة أخرى، طريقة...؟
قاطعني:
ـ كل واحد يتزوج بطريقته، الناس لا تتزوج بنفس الطريقة، كل واحد...
أمسكت بخيطه:
ـ ولكن ليس بهذه السرعة، زواج يوم تدبيره...
رد:
ـ هذا ما جعلنا نتأخر في الزواج، نفكر في كل صغيرة وكبيرة، نكثر من التحليل، من التفكيك، وحين نريد أن نجمع لا نجد ما نجمع، أو تكون الفرصة قد طارت من بين أيدينا!
لا أنكر أن معه بعض الحق ولكن؟الانفصام؟ الفطام؟ فك التحام؟ تذويب؟ انصهار؟ تهديد؟ أي خطر؟ خذلني...غيرة؟
كنا في أول يوم إجازتنا السنوية. ذهب عروب بالفعل إلى مدينة الجديدة، وبقيت وحدي أفكر فيما أفعله بنفسي!
عروب، الذي كان لا يكف عن الضحك، أصبح متجهما، بين ليلة وضحاها، كأنه يعرف، مسبقا، أنه يدخل، وبمحض إرادته، مشروع زواج غير سعيد، أو على الأقل، مشروع زواج عاد، عاد جدا، مثل أغلبية الناس، مثل جده وأبيه، مثل من يدرك تماما أنه سيقوم بشيء يدخله إلى السجن فيقوم به، مع ذلك، ويذهب إلى السجن!
لا أستطيع أن أصدق أن المرء يمكن أن يعمى بهذا الشكل، أن يتغير بكل هذه السرعة، في ليلة واحدة:
ـ هناك دائما تهيئ طويل لأبسط قراراتنا وأكثرها غرابة، أوتفاهة، يكون قد نضج على مهله في غفلة تامة منا، كان يردد عروب نفسه، حين يفاجأ أحدنا بتصرف غريب من ذاته أو من غيره!
وها هو قد أنضج قراره على مهله وفي غفلة كاملة مني، أنا الذي كنت أعتبره الجزء الآخر، الصورة الأخرى، من نفسي!
لقد خانني، اغتالني، أهانني أم أني أعاني من موجهة غيرة؟
متابعة القراءة؟ هنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق